القرطبي

78

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة ، إلا الجبن ، لما فيه من إنفحة ( 1 ) الميتة . فإن كان أبو الصبي مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك ، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته . السادسة - وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب ، لأنهم عرب ، ويقول : إنهم لم يتمسكوا بشئ من النصرانية إلا بشرب الخمر ، وهو قول الشافعي ، وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم . وقال جمهور الأمة : إن ذبيحة كل نصراني حلال ، سواء كان من بني تغلب أو غيرهم ، وكذلك اليهودي . واحتج ابن عباس بقوله تعالى : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ( 2 ) [ المائدة : 51 ] ، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم . السابعة - ولا بأس بالاكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم ، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى ، لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات ، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست ، وربما سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار ، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية ، فاقتضى الورع الكف عنها . وروي عن ابن عباس أنه قال : إن كان الاناء من نحاس أو حديد غسل ، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك ، فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل ، لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حق نصرانية ( 3 ) ، وهو صحيح وسيأتي في " الفرقان ( 4 ) " بكماله . وفي صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة ؟ ؟ الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد ، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم ، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم ، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ؟ قال : ( أما ما ذكرت

--> ( 1 ) الإنفحة ( بكسر الهمزة وفتح الفاء ) : كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل فإذا أكل فهو كرش ، يستخرج منه شئ لونه أصفر يوضع على اللبن فيتجبن . ( 2 ) راجع ص 216 من هذا الجزء . ( 3 ) الحق والحقة ( بالضم ) : وعاء من خشب أو عاج . ( 4 ) راجع ج 13 ص 44 .